بدووري
08-28-2011, 10:20 AM
يجد الناس في الأسفار والرحلة إلى الأمصار فرصةللاستجمام والراحة من متاعب الحياة ومشاغلها ، وسبيلاً إلى الوقوف على عجائبالبلدان ، وبدائع الأوطان ، ومصارع الأمم الغابرة ، مما يزيد العبد يقيناً بعظمةخالقه وبديع صنعه ، كما قال ربنا في محكم كتابه : { وفي الأرض آيات للموقنين } ( الذاريات:20) ، وقال أيضاً : { قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين } ( الأنعام : 11 ) .
وإذا كان الترحال من جملةالحاجات البشرية التي لا غنى عنها ، فقد وضعت الشريعة له من الضوابط والآداب التيتجعله لا يخرج عن إطار التعبّد لله جلّ وعلا.
فعند العزم على المسير ،جاءت السنّة النبوية بالإرشاد إلى صلاة الاستخارة ، وقد كان النبي – صلى الله عليهوسلم – يعلّم أصحابه الاستخارة في الأسفار بل في شؤون الحياة كلّها ، كما جاء فيحديث جابر رضي الله عنهما قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمناالاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن " رواه البخاري .
والاستخارة سنّة نبوية يعلم منها المسافر إن كان الخير في بقائه أورحيله ، وفيها تربيةٌ للمسلم أن يربط أمورها كلّها بخالقه ومدبّر أموره ، فلا يُقدمعلى شيء ولا يتأخّر عنه إلا بعد أن يستخير الله ويفعل ما ينشرح له صدره ، ثم إن فيالاستخارة إبطالٌ لما كان يفعله أهل الجاهليّة من زجر الطير أو سؤال الكهّانوالعرّافين ، أو غير ذلك من أنواع الدجل والخرافة .
ومن وصايا النبي – صلى الله عليه وسلم – للمسافر تعهّد المركبةوإعداد العدّة ، اختيار الرفقة الصالحة ، والسفر مع الجماعة ، والنهي عن الوحدة ،حمايةً من الأخطار المحتملة ، ووقاية من كيد الشيطان ووسواسه ، فقد جاء في الحديثالصحيح : ( لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم، ما سار راكب بليلٍ وحده ) رواهالبخاري ، وهذا هو المقصود من قوله – صلى الله عليه وسلم – في الحديث الآخر : ( الراكب شيطان ، والراكبان شيطانان ، والثلاثة ركب ) رواه أبو داود والترمذي ، يقولالإمام الخطابي : " معناه أن التفرد والذهاب وحده في الأرض من فعل الشيطان ، وهوشيء يحمله عليه الشيطان ويدعوه إليه ، وكذلك الاثنان ، فإذا صاروا ثلاثة فهو ركب : أي جماعة وصحب ".
ومن سنن النبوة الإمارة فيالسفر باختيار من يتولّى شؤون الرحلة ويحدّد مسيرتها ، وقد كان النبي – صلى اللهعليه وسلم – يأمر أصحابه إذا ارتحلوا أن يجعلوا عليهم أميراً، حتى يكون رأيهمواحداً، ولا يقع بينهم الاختلاف، وكل ذلك حرصاً منه عليه الصلاة والسلام على لزومالجماعة وتجنب أسباب الفرقة.
وكان من هدي النبي – صلىالله عليه وسلم – أيضاً السفر يوم الخميس في أول النهار، فعن كعب بن مالك رضي اللهعنه قال : " لقلَّما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إذا خرج في سفر إلا يومالخميس " رواه البخاري ، ويكون خروجه أوّل النهار ووقت البكور لفضله وبركته ، كماقال – صلى الله عليه وسلم - : ( بورك لأمتي في بكورها ) رواه الطبراني .
كما ثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – جملة من الأذكار والأدعيةالتي يقولها المسافر ، وتكون بإذن الله سبباً في حفظه وتوفيقه ، منها أن يقول إذاركب على دابته، واستقر عليها : ( الحمد لله، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا لهمقرنين وإنا الى ربنا لمنقلبون، ثم يقول: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، اللهأكبر، الله أكبر، الله أكبر، سبحانك إني ظلمت نفسي، فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوبإلا أنت ) رواه أبو داود ثم يقول: ( اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى،ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا ، واطْوِ عنا بعده، اللهم أنت الصاحبفي السفر ، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وَعْثَاء السفر، وكآبة المنظر،وسوء المنقلب، في المال والأهل ) رواه مسلم ، وفي رواية الإمام أحمد : ( اللهم اقبضلنا الأرض ، وهوّن علينا السفر ) ، وله أن ينوّع في الدعاء فيقول : ( اللهم اصحبنافي سفرنا ، واخلفنا في أهلنا ، اللهم أني أعوذ بك من الحور بعد الكور ، ودعوةالمظلوم ، ومن سوء المنظر في الأهل والمال ) رواه الترمذي ، والمقصود بالحور بعدالكور : فساد الأمور بعد صلاحها .
ومما ورد عن النبي – صلىالله عليه وسلم - من الأذكار أثناء المسير التكبير عند الصعود والتسبيح عند الهبوط، ففي حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: ( كنا إذاصعدنا كبرنا، وإذا نزلنا سبحنا ) رواه البخاري ، وعن عبد الله بن عمر رضي اللهعنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " كان إذا قفل – أي : رجع - من غزو أو حج أوعمرة ، يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات" رواه البخاري ، وكان عليه الصلاةوالسلام يوصي بذلك ، كما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال : " يا رسولالله ، إني أريد أن أسافر فأوصني " ، فقال له : ( عليك بتقوى الله ، والتكبير علىكل شرف ) .
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل قرية أوشارف على دخولها، قال:- ( اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وماأقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية،وخير أهلها، ونعوذ بك من شرها، وشر أهلها، وشر ما فيها ) رواه النسائي .
ومن سنن النبي – صلى الله عليه وسلم – الاستعاذة عند النزول فيأرضٍ من شرّ ما فيها من المخلوقات الضارّة ، فكان يقول : ( أعوذ بكلمات اللهالتامات من شر ما خلق ) رواه مسلم .
وفي وقت السحر كان النبي - صلى الله عليه وسلم – يقول : ( سمع سامع بحمد الله ، وحسن بلائه علينا ، ربناصاحبنا وأفضل علينا ، عائذا بالله من النار ) رواه مسلم ، ومعنى الدعاء : شهد الناسعلى حمدنا لله تعالى على نعمه وأفضاله وحسن بلائه ، اللهم صاحبنا في السفر ، وأجزلعلينا نعمك ، واحفظنا من كل سوء ، وأعذنا من النار .
فإذا عاد المسافر إلى وطنه، ورجع إلى أهله، دعا بنحو ما دعا به عند خروجه ، ويزيد عليه قوله : ( آيبون تائبونعابدون لربنا حامدون ) رواه البخاري .
ومن الهدي النبوي الدعاءللمسافرين عند وداعهم ، والوصية بتقوى الله عزوجل ، كما ثبت عن النبي – صلى اللهعليه وسلم – أنه كان يدعو للمسافر بقوله : ( أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك ) رواه الترمذي ، ودعا عليه الصلاة والسلام لأحدهم فقال : ( اللهم اطو له الأرض ،وهوّن عليه السفر ) رواه الترمذي ، وجاء إليه رجل فقال : يا رسول الله ، إني أريدسفرا فزودني ، فقال له : ( زوّدك الله التقوى ، وغفر ذنبك ، ويسر لك الخير حيثماكنت ) رواه الترمذي .
وإذا كان السفر قطعة منالعذاب -كما صحّّ بذلك الحديث – فقد جاءت الشريعة بالتخفيف في الأحكام والترخيص فيالعبادات ، من ذلك قصر الصلاة الرباعية ركعتين والجمع بين الصلاتين ، والفطر إذا شقالصوم، والمسح على الخفين مدة ثلاث أيام بلياليهن ، ولم يحفظ عنه - صلى الله عليهوسلم - أنه صلّى في أسفاره السنن الرواتب، إلا سنة الفجر والوتر، فإنه لم يكنيدعهما في حضر ولا سفر.
ومن جملة التخفيفات التيحفلت بها السنّة : إباحة الصلاة على الراحلة للمسافر في النفل دون الفريضة ، فعنابن عمر رضي الله عنهما قال : " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في السفرعلى راحلته حيث توجهت به ، يومئ إيماء ، صلاة الليل إلا الفرائض ، ويوتر على راحلته " رواه البخاري .
وبيّن – صلى الله عليهوسلم – أن المسافر يُكتب له أجر ما كان يعمله من عملٍ صالح في حال إقامته ، ، فضلاًمن الله ونعمة ، فقال – صلى الله عليه وسلم - : ( إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثلما كان يعمل مقيما صحيحا ) رواه البخاري .
كما حرص النبي – صلى اللهعليه وسلم – على تطبيق مبدأ التكافل في أسفاره ، فكان الناس يتعاقبون في غزواته علىركوب الرواحل عند قلّتها ، كما حصل في غزوة تبوك وغيرها ، وحثّ الموسرين علىالإيثار بما فضل من زادهم ومركوبهم ، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : " بينما نحن في سفر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء رجل على راحلة له ، فجعليصرف بصره يميناً وشمالاً ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من كان معهفضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زادله ) ، فذكر من أصناف المال ما ذكر ، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل " رواهمسلم .
.
وأرشد النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى إعطاءالراحلة نصيبها من الراحة والغذاء خصوصاً في مواسم الخصب ، حتى تتمكّن من متابعةالسير ، كما نهى عن النزول في وسط الطريق فقال : ( إذا سافرتم في الخصب فأعطواالإبل حظها من الأرض ، وإذا سافرتم في السنة -أيام القحط - فأسرعوا عليها السير ،وإذا عرستم بالليل – أي نزلتم في الليل منزلاً - فاجتنبوا الطريق ؛ فإنها مأوىالهوام بالليل ) رواه مسلم .
وجاء النهي أيضاً عنالمرور على المواضع التي نزل فيها العذاب إلا أن يكون ذلك على سبيل الاتعاظوالاعتبار ، فعندما مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بحجر ثمود قال لأصحابه : ( لاتدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم ؛ أن يصيبكم ما أصابهم ، إلا أن تكونوا باكين ) ثمقنّع رأسه – أي غطّاه - وأسرع السير حتى أجاز الوادي ، متفق عليه .
وإذا نظرنها إلى أسفارالنبي – صلى الله عليه وسلم – وجدنا أنها تتعلق بأحد أربعة أسباب : السفر للهجرة،والسفر للجهاد، والسفر للعمرة والسفر للحج ، وأحياناً كان يسافر مصطحباً إحدىزوجاته ، وكان عليه الصلاة والسلام يختار من ترافقه بالقرعة كما تقول عائشة رضيالله عنها : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه ،فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه " متفق عليه .
وقد ترك النبي – صلى اللهعليه وسلم – مساحةً للترويح عن النفس باللهو البريء والحداء الجميل ليستعين الناسبذلك على عناء السفر ، فجاء عنه مسابقته لعائشة رضي الله عنه في إحدى أسفاره ، وسمحلغلام له يقال عنه أنجشة بالحداء وذكر الأشعار .
وعند عودة النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى دياره كان يبتديءبزيارة المسجد والصلاة فيه ، ثم يتلقّاه الناس بالغلمان حتى يحضنهم ويقبّلهم ،ويذكر عبد الله بن جعفر رضي الله عنه أحد تلك المواقف فيقول : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قدم من سفر تُلُقِّيَ بصبيان أهل بيته ، وإنه قدم من سفرفسُبِق بي إليه ، فحملني بين يديه ، ثم جيء بأحد ابني فاطمة فأردفه خلفه ، فأدخلناالمدينة ثلاثةً على دابة " رواه مسلم .
وقد نهى – صلى الله عليهوسلم- عن أمورٍ في السفر، مثل اصطحاب الكلب والجرس ، وفي هذا جاء قوله عليه الصلاةوالسلام : ( لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس ) رواه مسلم .
ومما نهى عنه عليه الصلاةوالسلام سفر المرأة بدون محرم، لما يترتب عليه من حصول الفتنة والأذية لها، فقد قال – صلى الله عليه وسلم: ( لا تسافر امرأة إلا ومعها محرم ) رواه البخاري .
كذلك نهى – صلى الله عليه وسلم – أن يأتي المسافرأهله ليلاً، ففي الحديث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم:- ( إذا طال أحدكم الغيبة ، فلا يطرق أهله ليلاً ) رواه البخاري، وعنه أيضاً أنه قال: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهلهليلاً يتخونهم أو يطلب عثراتهم ) رواه البخاري ، وبالمقابل فقد أمر النبي - صلىالله عليه وسلم – المسافر أن يتعجّل في العودة إلى أهله بعد قضاء حاجته من السفرفقال : (.. فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله ) متفقعليه.
فصلوات الله على من كان الخير في حله وترحاله ،وإقامته وسفره ، فكان للحق نبراساً ، وللفضائل تاجاً ..
وإذا كان الترحال من جملةالحاجات البشرية التي لا غنى عنها ، فقد وضعت الشريعة له من الضوابط والآداب التيتجعله لا يخرج عن إطار التعبّد لله جلّ وعلا.
فعند العزم على المسير ،جاءت السنّة النبوية بالإرشاد إلى صلاة الاستخارة ، وقد كان النبي – صلى الله عليهوسلم – يعلّم أصحابه الاستخارة في الأسفار بل في شؤون الحياة كلّها ، كما جاء فيحديث جابر رضي الله عنهما قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمناالاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن " رواه البخاري .
والاستخارة سنّة نبوية يعلم منها المسافر إن كان الخير في بقائه أورحيله ، وفيها تربيةٌ للمسلم أن يربط أمورها كلّها بخالقه ومدبّر أموره ، فلا يُقدمعلى شيء ولا يتأخّر عنه إلا بعد أن يستخير الله ويفعل ما ينشرح له صدره ، ثم إن فيالاستخارة إبطالٌ لما كان يفعله أهل الجاهليّة من زجر الطير أو سؤال الكهّانوالعرّافين ، أو غير ذلك من أنواع الدجل والخرافة .
ومن وصايا النبي – صلى الله عليه وسلم – للمسافر تعهّد المركبةوإعداد العدّة ، اختيار الرفقة الصالحة ، والسفر مع الجماعة ، والنهي عن الوحدة ،حمايةً من الأخطار المحتملة ، ووقاية من كيد الشيطان ووسواسه ، فقد جاء في الحديثالصحيح : ( لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم، ما سار راكب بليلٍ وحده ) رواهالبخاري ، وهذا هو المقصود من قوله – صلى الله عليه وسلم – في الحديث الآخر : ( الراكب شيطان ، والراكبان شيطانان ، والثلاثة ركب ) رواه أبو داود والترمذي ، يقولالإمام الخطابي : " معناه أن التفرد والذهاب وحده في الأرض من فعل الشيطان ، وهوشيء يحمله عليه الشيطان ويدعوه إليه ، وكذلك الاثنان ، فإذا صاروا ثلاثة فهو ركب : أي جماعة وصحب ".
ومن سنن النبوة الإمارة فيالسفر باختيار من يتولّى شؤون الرحلة ويحدّد مسيرتها ، وقد كان النبي – صلى اللهعليه وسلم – يأمر أصحابه إذا ارتحلوا أن يجعلوا عليهم أميراً، حتى يكون رأيهمواحداً، ولا يقع بينهم الاختلاف، وكل ذلك حرصاً منه عليه الصلاة والسلام على لزومالجماعة وتجنب أسباب الفرقة.
وكان من هدي النبي – صلىالله عليه وسلم – أيضاً السفر يوم الخميس في أول النهار، فعن كعب بن مالك رضي اللهعنه قال : " لقلَّما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إذا خرج في سفر إلا يومالخميس " رواه البخاري ، ويكون خروجه أوّل النهار ووقت البكور لفضله وبركته ، كماقال – صلى الله عليه وسلم - : ( بورك لأمتي في بكورها ) رواه الطبراني .
كما ثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – جملة من الأذكار والأدعيةالتي يقولها المسافر ، وتكون بإذن الله سبباً في حفظه وتوفيقه ، منها أن يقول إذاركب على دابته، واستقر عليها : ( الحمد لله، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا لهمقرنين وإنا الى ربنا لمنقلبون، ثم يقول: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، اللهأكبر، الله أكبر، الله أكبر، سبحانك إني ظلمت نفسي، فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوبإلا أنت ) رواه أبو داود ثم يقول: ( اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى،ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا ، واطْوِ عنا بعده، اللهم أنت الصاحبفي السفر ، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وَعْثَاء السفر، وكآبة المنظر،وسوء المنقلب، في المال والأهل ) رواه مسلم ، وفي رواية الإمام أحمد : ( اللهم اقبضلنا الأرض ، وهوّن علينا السفر ) ، وله أن ينوّع في الدعاء فيقول : ( اللهم اصحبنافي سفرنا ، واخلفنا في أهلنا ، اللهم أني أعوذ بك من الحور بعد الكور ، ودعوةالمظلوم ، ومن سوء المنظر في الأهل والمال ) رواه الترمذي ، والمقصود بالحور بعدالكور : فساد الأمور بعد صلاحها .
ومما ورد عن النبي – صلىالله عليه وسلم - من الأذكار أثناء المسير التكبير عند الصعود والتسبيح عند الهبوط، ففي حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: ( كنا إذاصعدنا كبرنا، وإذا نزلنا سبحنا ) رواه البخاري ، وعن عبد الله بن عمر رضي اللهعنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " كان إذا قفل – أي : رجع - من غزو أو حج أوعمرة ، يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات" رواه البخاري ، وكان عليه الصلاةوالسلام يوصي بذلك ، كما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال : " يا رسولالله ، إني أريد أن أسافر فأوصني " ، فقال له : ( عليك بتقوى الله ، والتكبير علىكل شرف ) .
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل قرية أوشارف على دخولها، قال:- ( اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وماأقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية،وخير أهلها، ونعوذ بك من شرها، وشر أهلها، وشر ما فيها ) رواه النسائي .
ومن سنن النبي – صلى الله عليه وسلم – الاستعاذة عند النزول فيأرضٍ من شرّ ما فيها من المخلوقات الضارّة ، فكان يقول : ( أعوذ بكلمات اللهالتامات من شر ما خلق ) رواه مسلم .
وفي وقت السحر كان النبي - صلى الله عليه وسلم – يقول : ( سمع سامع بحمد الله ، وحسن بلائه علينا ، ربناصاحبنا وأفضل علينا ، عائذا بالله من النار ) رواه مسلم ، ومعنى الدعاء : شهد الناسعلى حمدنا لله تعالى على نعمه وأفضاله وحسن بلائه ، اللهم صاحبنا في السفر ، وأجزلعلينا نعمك ، واحفظنا من كل سوء ، وأعذنا من النار .
فإذا عاد المسافر إلى وطنه، ورجع إلى أهله، دعا بنحو ما دعا به عند خروجه ، ويزيد عليه قوله : ( آيبون تائبونعابدون لربنا حامدون ) رواه البخاري .
ومن الهدي النبوي الدعاءللمسافرين عند وداعهم ، والوصية بتقوى الله عزوجل ، كما ثبت عن النبي – صلى اللهعليه وسلم – أنه كان يدعو للمسافر بقوله : ( أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك ) رواه الترمذي ، ودعا عليه الصلاة والسلام لأحدهم فقال : ( اللهم اطو له الأرض ،وهوّن عليه السفر ) رواه الترمذي ، وجاء إليه رجل فقال : يا رسول الله ، إني أريدسفرا فزودني ، فقال له : ( زوّدك الله التقوى ، وغفر ذنبك ، ويسر لك الخير حيثماكنت ) رواه الترمذي .
وإذا كان السفر قطعة منالعذاب -كما صحّّ بذلك الحديث – فقد جاءت الشريعة بالتخفيف في الأحكام والترخيص فيالعبادات ، من ذلك قصر الصلاة الرباعية ركعتين والجمع بين الصلاتين ، والفطر إذا شقالصوم، والمسح على الخفين مدة ثلاث أيام بلياليهن ، ولم يحفظ عنه - صلى الله عليهوسلم - أنه صلّى في أسفاره السنن الرواتب، إلا سنة الفجر والوتر، فإنه لم يكنيدعهما في حضر ولا سفر.
ومن جملة التخفيفات التيحفلت بها السنّة : إباحة الصلاة على الراحلة للمسافر في النفل دون الفريضة ، فعنابن عمر رضي الله عنهما قال : " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في السفرعلى راحلته حيث توجهت به ، يومئ إيماء ، صلاة الليل إلا الفرائض ، ويوتر على راحلته " رواه البخاري .
وبيّن – صلى الله عليهوسلم – أن المسافر يُكتب له أجر ما كان يعمله من عملٍ صالح في حال إقامته ، ، فضلاًمن الله ونعمة ، فقال – صلى الله عليه وسلم - : ( إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثلما كان يعمل مقيما صحيحا ) رواه البخاري .
كما حرص النبي – صلى اللهعليه وسلم – على تطبيق مبدأ التكافل في أسفاره ، فكان الناس يتعاقبون في غزواته علىركوب الرواحل عند قلّتها ، كما حصل في غزوة تبوك وغيرها ، وحثّ الموسرين علىالإيثار بما فضل من زادهم ومركوبهم ، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : " بينما نحن في سفر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء رجل على راحلة له ، فجعليصرف بصره يميناً وشمالاً ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من كان معهفضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زادله ) ، فذكر من أصناف المال ما ذكر ، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل " رواهمسلم .
.
وأرشد النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى إعطاءالراحلة نصيبها من الراحة والغذاء خصوصاً في مواسم الخصب ، حتى تتمكّن من متابعةالسير ، كما نهى عن النزول في وسط الطريق فقال : ( إذا سافرتم في الخصب فأعطواالإبل حظها من الأرض ، وإذا سافرتم في السنة -أيام القحط - فأسرعوا عليها السير ،وإذا عرستم بالليل – أي نزلتم في الليل منزلاً - فاجتنبوا الطريق ؛ فإنها مأوىالهوام بالليل ) رواه مسلم .
وجاء النهي أيضاً عنالمرور على المواضع التي نزل فيها العذاب إلا أن يكون ذلك على سبيل الاتعاظوالاعتبار ، فعندما مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بحجر ثمود قال لأصحابه : ( لاتدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم ؛ أن يصيبكم ما أصابهم ، إلا أن تكونوا باكين ) ثمقنّع رأسه – أي غطّاه - وأسرع السير حتى أجاز الوادي ، متفق عليه .
وإذا نظرنها إلى أسفارالنبي – صلى الله عليه وسلم – وجدنا أنها تتعلق بأحد أربعة أسباب : السفر للهجرة،والسفر للجهاد، والسفر للعمرة والسفر للحج ، وأحياناً كان يسافر مصطحباً إحدىزوجاته ، وكان عليه الصلاة والسلام يختار من ترافقه بالقرعة كما تقول عائشة رضيالله عنها : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه ،فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه " متفق عليه .
وقد ترك النبي – صلى اللهعليه وسلم – مساحةً للترويح عن النفس باللهو البريء والحداء الجميل ليستعين الناسبذلك على عناء السفر ، فجاء عنه مسابقته لعائشة رضي الله عنه في إحدى أسفاره ، وسمحلغلام له يقال عنه أنجشة بالحداء وذكر الأشعار .
وعند عودة النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى دياره كان يبتديءبزيارة المسجد والصلاة فيه ، ثم يتلقّاه الناس بالغلمان حتى يحضنهم ويقبّلهم ،ويذكر عبد الله بن جعفر رضي الله عنه أحد تلك المواقف فيقول : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قدم من سفر تُلُقِّيَ بصبيان أهل بيته ، وإنه قدم من سفرفسُبِق بي إليه ، فحملني بين يديه ، ثم جيء بأحد ابني فاطمة فأردفه خلفه ، فأدخلناالمدينة ثلاثةً على دابة " رواه مسلم .
وقد نهى – صلى الله عليهوسلم- عن أمورٍ في السفر، مثل اصطحاب الكلب والجرس ، وفي هذا جاء قوله عليه الصلاةوالسلام : ( لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس ) رواه مسلم .
ومما نهى عنه عليه الصلاةوالسلام سفر المرأة بدون محرم، لما يترتب عليه من حصول الفتنة والأذية لها، فقد قال – صلى الله عليه وسلم: ( لا تسافر امرأة إلا ومعها محرم ) رواه البخاري .
كذلك نهى – صلى الله عليه وسلم – أن يأتي المسافرأهله ليلاً، ففي الحديث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم:- ( إذا طال أحدكم الغيبة ، فلا يطرق أهله ليلاً ) رواه البخاري، وعنه أيضاً أنه قال: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهلهليلاً يتخونهم أو يطلب عثراتهم ) رواه البخاري ، وبالمقابل فقد أمر النبي - صلىالله عليه وسلم – المسافر أن يتعجّل في العودة إلى أهله بعد قضاء حاجته من السفرفقال : (.. فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله ) متفقعليه.
فصلوات الله على من كان الخير في حله وترحاله ،وإقامته وسفره ، فكان للحق نبراساً ، وللفضائل تاجاً ..